يصف الصحافي الأميركي، تشارلز غلاس، الحرب في لبنان بأنها مرض خبيث لا يشفى منه الجسد، لكنه أيضاً لا يموت بسببه. كتب الصحافي الذي عمل مراسلاً في عدة مناطق نزاعات في مقالة نشرتها مجلة ” لندن ريفيو أوف بوك” عن الحرب الأهلية اللبنانية التي غطى معظم فصولها “انتهت معظم الحروب التي غطيناها، ولم تكن نهايتها دائماً سعيدة. لكن حرب لبنان بدت كأنها مستمرّة، كمرض لا يقتل المريض، ولكنه لا يفارقه أبداً”. اليوم قد يجد الغالبية من اللبنانيين في هذا القول توصيفاً واقعياً لحالهم.

يعود الصحافي الذي عمل مراسلاً لشبكة ABC News في الشرق الأوسط سنوات طويلة، وله كتبٌ عديدة عن المنطقة، يعود إلى فترة لم يعايشها سوى قليلين من صحافيي الحرب اللبنانية وما تلاها من حروب، حين كان “حي الفنادق” الذائعة الصيت، من السان جورج إلى فينيسيا، مقرّاً لـ”الصحافي الراوي” الذي يمضي يومه في تتبع أخبار البلاد وينتهي في المساء في بار فندق السان جورج، مع أقرانه، مسترخين في كراسي جلدية مريحة، ويمضون أمسيتهم في مقارنة حصيلة جولاتهم النهارية بعد إرسال تقاريرهم عبر التلكس إلى مقار الإعلام في عواصم العالم، بما في ذلك استعراض حصيلة ما جمعوه من ثرثرات مع سياسيين ومصرفيين وتجار أسلحة ونفط وغيرهم. كان الصحافي الراوي يغطي في النهار حرب الخنادق وينقل فصولها الدامية ويروي في المساء تفاصيلها، مآسيها، وأحيانا نوادرها، في فندق الكومودور في شارع الحمراء الذي بات مقر الصحافة الأجنبية، بين وجبات الطعام الشهية والنبيذ اللبناني الأنيق. يذكر غلاس، في ما يذكر، كيف عاين مجزرة مخيم تل الزعتر عابراً شوارع المخيم المغطّاة بالجثث حيث عمليات النهب تلت أعمال القتل. يقول “في تلك الليلة في حانة الكومودور، لم يضحك أحد. لم يروِ أحدٌ قصصاً قديمة. لم يذكر أحدٌ، على ما أعتقد، ما شاهدناه. شربنا فقط”.

تواصل آلة الحرب الإسرائيلية محو الحياة ونواصل إحصاء أعداد الصحافيين الذين يسقطون دورياً.

يكتب الصحافي أن لا حانة في بيروت اليوم للجيل الجديد من صحافيي الحرب التي لا يبدو أنها قد تنتهي وليس لديهم متابعون أوفياء كثر مع منافسة الإعلام الجديد وتحوّل القراء، ومعظم الشبّان منهم، إلى وسائل التواصل الحديث. والأهم الذي لم يذكره الكاتب أن هؤلاء لا يتمتعون بالحصانة والاعتراف اللذين حظي بهما جيله من مراسلي الحروب. مراسلو الحرب المحليون الذين باتوا اليوم العماد الرئيسي للتغطية الصحافية في المنطقة تحوّلوا إلى هدف للقتل من دون تضامن واسع معهم من زملائهم في الإعلام العالمي. إن لم يكن قتلهم مقصوداً، باعتبارهم عملاء لمنظمات مسلحة، فقد بات مجرّد خطأ، كما صرّح سفير إسرائيل لدى باريس في أحد برامج التلفزة الفرنسية، معتبراً أن استهداف مجموعة من الصحافيين اللبنانيين في 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 كان مجرّد خطأ. قتل في قصف موقع المجموعة الصحافية في جنوب لبنان المصور الصحافي لدى وكالة رويترز، عصام العبد الله، وأصيب بجروح خطرة ستة صحافيين آخرين، بينهم مراسلة وكالة الصحافة الفرنسية كريستينا عاصي التي بترت ساقها اليمنى نتيجة إصابتها. اعتبرت الوكالة في بيان أن تعليق السفير “أول اعتراف علني من ممثل إسرائيلي رسمي بأن الضربتين اللتين استهدفتا مجموعة محدّدة بوضوح من الصحافيين جاءتا من القوات الإسرائيلية، وهو ما يتفق مع نتائج تحقيقات عدة، بما في ذلك التي أجرتها وكالة فرانس برس”. … لا تشبه رومانسية ذكريات الصحافي تشارلز غلاس بشيء هشاشة حيوات الصحافيين المحليين ناقلي الخبر من مناطق الخطر، بما في ذلك تحوّلهم هم أنفسهم لأهداف للقتل ومصدر خطر للمحيطين بهم. يكتب الصحافي الفلسطيني رامي أبو جاموس في مذكراته من غزّة التي ينشرها موقع Orient XXI في مقالة تحت عنوان “أعرف أني محكوم علي بالإعدام”، عن تحوّل البنية المدنية إلى ساحة للقتل الإسرائيلي، بحجة استهداف مقاتلين، رغم التقدّم التكنولوجي، إذ “بإمكان الاسرائيليين استهداف رجل واحد بمسيّرة أو صاروخ، لكنهم لا يفعلون دوماً ذلك. بين حين وآخر، ينتظرون حتى يخرج أرنب من جحره ويعود إلى عائلته ليقتلوه، ويقتلوا معه جميع أقاربه”. لم يعد الأمر يقتصر على المقاتلين، بل شمل الصحافيين، الأهداف الجديدة للقتل. يكتب أبو جاموس، ردّاً على زميلة صحافية غربية تسأله ما إذا كان على المقاتل عدم قصد أماكن المدنيين “أعلم أن عملي، كعمل زملائي في غزّة، يؤذي الإسرائيليين ومن ينشرون دعايتهم في فرنسا وغيرها. لأنني أكشف الحقيقة، ولي جمهور واسع. أعلم جيداً أنني معرّض لخطر الاستهداف، وأعلم أنني ربما محكوم عليّ بالإعدام”. ويتابع “أحياناً، يقول لي الجيران: “رامي، لا تركن سيارتك هنا”، أو “رامي، أنت صحافي، قد يكون الأمر خطيراً”. يقولونها مازحِين، لكنني أعرف أنهم جادّون. ولا يسعني إلا أن أفكر: في اليوم الذي أُستهدف فيه، هل سيموت عشراتٌ معي؟ هل سيلومني الناس؟ هل سيقولون: “كان صحافياً، كان يعلم أنه مستهدف، كان عليه أن يغادر من هنا”؟”.

في الوقت التي تواصل فيه آلة الحرب الإسرائيلية القتل والتدمير ومحو الحياة بكل أشكالها، نواصل إحصاء أعداد الصحافيين الذين يسقطون دورياً. نشرت قبل أيام صحيفة واشنطن بوست تحقيقاً استقصائياً أظهر أن الصحافية اللبنانية آمال الخليل نزفت ساعات بعد إصابتها في غارة إسرائيلية، في حين منعت فرق الإسعاف من الوصول إليها لإنقاذها. حكمت عليها آلة القتل الإسرائيلية بالإعدام البطيء والمؤلم. عنف سادي غير محتمل في حق مراسلة محلية. رومانسية عهد “الصحافي الراوي” باتت من الماضي، أما قسوة واقع “الصحافي الهدف” فتطرح سؤالاً ملحّاً: أي عمل صحافي ميداني لا يزال ممكناً في منطقتنا؟