بعد عملية طوفان الأقصى يطلق حزب الله معركة “إسناد غزّة”. ومعها شعاراته أو أهدافه: “إسناد المقاومة الفلسطينية”، “تخفيف الضغط العسكري الإسرائيلي عن غزّة”، “وحدة الساحات”، “ربط جبهة لبنان بغزّة”… إلخ. وإيران ترحّب بهذه الحرب، وتردّد هنا وهناك الشعارات نفسها. وعندما يعلَن عن وقف إطلاق النار، في خريف السنة التالية (2024)، ترحّب به أيضاً. مع أن النتيجة ليست مرْضية؛ غزة خسرت حياتها وأكثر من نصف أرضها وعشرات آلاف من أبنائها وقادتها ومقاتليها… وحزب أيضا؛ من قائده التاريخي، حسن نصر الله، إلى عديدين من قادته ومقاتليه وبشره وحجره ومعنوياته.
تمضي 15 شهرا. وقف إطلاق النار في الجنوب اللبناني وترجمته الإسرائيلية احتلال خمس نقاط في الجنوب اللبناني، وانكشاف قراه الحدودية على النيران الإسرائيلية. فضلا عن اغتيالات جوالة، يقدّر الإسرائيليون عدد ضحاياها بآلاف، ويناقضهم حزب الله بأنها تقتصر على مئات. فيما غزّة تبقى على حالها. او بالأحرى أسوأ من حالها الأول. وتزداد حملات المستوطنين على الضفة الغربية، تحت إشراف الجيش الإسرائيلي. أي إن الأوضاع تسوء. شهراً وراء شهر. وعندما نبلغ الشهر ال15، تندلع حرب بين إيران وأميركا- إسرائيل. ويغتال هذا الثنائي جملة من القادة الإيرانيين. فتكون حربٌ أخرى، يطلقها حزب الله، وشعارها الوحيد: “الثأر لمقتل علي خامنئي” مرشد الجمهورية الإسلامية وقائدها.
هكذا، ننتقل من حرب من أجل غزّة إلى حرب من أجل إيران، بل النظام الإيراني. ومن شعارات إسناد غزّة إلى شعارات “الثأر للقائد” (يبدو أغلي من قائد الحزب حسن نصر الله)، إلى “الوفاء لخامنئي”، إلى “الرد على العدوان على الجمهورية الإسلامية”، و”الدفاع عن محور المقاومة”؛ أي من “الساحة” إلى “محور هذه الساحة”.
الآن، إيران وضعت ثقلها. في مذكرة “التفاهم” بينها وبين أميركا، أي الطرف الأقوى من إسرائيل في الحرب بينهما، تفرض لبنان بوضوح لا لبس فيه، وفي نقطته الأولى: إيقاف الحرب بين إسرائيل وحزب الله، و”ضمان سلامة الأراضي اللبنانية وسيادتها”. وواضحٌ أن هذه النقطة بالذات، بالإضافة الى نقطة مضيق هرمز، أنها هي العقدة الملحّة التي تيسِّر المفاوضات حول المذكرة أو تعرقلها. بكلام آخر، وبعدما سجلت ايران على الثنائي، أميركا- إسرائيل، نقاطاً رابحة، صارت قادرةً على فرض شروطها. وفي مقدّمة هذه الشروط، تدخّلها المباشر بوقف الحرب بين الحزب وإسرائيل. وبشائر هذه السيطرة، تظهر قبيل المباشرة بالمفاوضات. “تجمّدها” إيران احتجاجاً على “استمرار الاعتداءات الإسرائيلية” على جنوب لبنان. فيستجيب لها ترامب، الخاسر، ويضغط على نتنياهو، بعد أن يمطره بأقذع العبارات. يعاونه نائبه جي دي فانس في عبارته المأثورة: “لو كنتُ في الحكومة الإسرائيلية، لما خاطرتُ بالدخول في مواجهةٍ مع الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم”.
فلسطين تغيب لصالح إيران. الأولوية لصوْن النظام الإيراني.
ويستمر نتنياهو بالمعاندة، وتقوم إسرائيل ولا تقعد غضباً على “سيادتها” و”حرية قرارها”. وينتشي حزب الله من هذا الكباش، ويبدأ بالكلام عن إقالة الحكومة وتغيير الوزراء وتعود نغمات “السيطرة على الوضع”، وترتفع العصبية الشيعية ونشوة الانتصار الشيعي على بقية الطوائف اللبنانية. ويُصاب لبنان بلسعة ألفها في زمن هيمنة الحزب على قراره.
مع أن العداء لأميركا وإسرائيل لا يتغيّر. ولا تتغيّر أيضا “شرعية سلاح” الحزب ولا “دوره العسكري”. ولكن فلسطين تغيب لصالح إيران. الأولوية لصوْن النظام الإيراني. ومع أن ما تعانيه غزّة، ومعها الضفة الغربية، فيه شيء من الغرابة: تجاهل إعلامي تام لاستمرار ملحمة عذابها. من جهة ثانية، بلوغ هذه الملحمة درجات قصوى جديدة. الممثل الأعلى لـ”مجلس السلام” برئاسة ترامب، “الساهر” على وقف إطلاق النار في غزّة منذ أقل من سنتين بقليل… نيكولاي ملادينوف يصف أحوال غزّة، من المنظور “الرسمي” الذي انتدبه إليه ترامب. ويقول: الأموال التي وعد بها ترامب لإعادة بناء غزّة لم تصل بعد. والاغتيالات هناك لم تتوقف، القادة والنساء والأطفال. ويلفت إن إسرائيل باتت تحتل 60% من القطاع، وتحشر أكثر من مليون ونصف غزّي في ما تبقى من المساحة. منذ وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، قتلت 326 شخصا، 13 طفلا وثماني نساء. وفي الشهر الثالث من الحرب على إيران، زادت الهجمات الإسرائيلية على أهل غزّة بنسبة 35%. ولا يستفيض كثيراً في إغلاق معبر رفح، ولا في تقنين المساعدات الغذائية.
الملحمة نفسها تمر بها الضفة الغربية منذ وقف إطلاق النار: توسّع استيطاني، إحراق منازل أو هدمها، منع الوصول إلى الأراضي الزراعية، قتل أو اعتقال اعتباطي، سرقة منتجات زراعية، تدمير حقول وأشجار زيتون أو إحراقها، سرقة مواشٍ أو نفوقها وإتلاف خزانات مياه وبنى زراعية، تهجير من مخيمات جنين وطولكرم ونور الشمس.
لم تفهم إسرائيل، أو أنها لو فهمت، لا تريدنا أن نفهم أن العلاقة بين إيران وحزب الله تختلف عن العلاقة بين “حماس” وإيران.
الخلاصة أن الحرب بين إيران وإسرائيل – أميركا اعتبرت إسرائيل عن خطأ أنها ربما تزيد من “تدخل إيران السافر” في غزّة. علماً أن العلاقة بين إيران وحزب الله عضوية، بنيوية، أيديولوجية. أشرفت إيران على نشأة الحزب، موّلته، سلحته، درّبت عناصره. الثورة الاسلامية وولاية الفقيه، الشراكة الاستراتيجية بين الاثنين تحوّلت بعد اغتيال حسن نصر الله إلى تبعية تامة (والأرقام هنا تتكلم: خلال حرب “الثأر لاغتيال علي خامنئي” قُتل أربعة آلاف لبناني من أصل أقل بقليل من خمسة ملايين منهم. فيما قتل في أثناء الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران 3.600 إيراني من أصل 92 مليوناً ونصف المليون منهم). أما حركة حماس فعلاقتها بإيران تحالفية. تموّلها إيران، وتدعمها كما تفعل دول أخرى. والعلاقة بين الاثنتين ظرفية متقلبة. تأخذ أحياناً قرارات لا توافق عليها إيران، أو ليست من صلب خطها (مثل العلاقة بين “حماس” وبشار الأسد). و”حماس” لا تتبنى أيديولوجيا الولي الفقيه وظهور المهدي، ولا أنشئت على يد إيران.
لم تفهم إسرائيل، أو أنها لو فهمت، لا تريدنا أن نفهم أن العلاقة بين إيران وحزب الله تختلف عن العلاقة بين “حماس” وإيران. والحدث التاريخي أن عضوية العلاقة بين إسرائيل وأميركا تهتز الآن، ربما مؤقتا، ربما حتى أجل معيّن.
يقوِّي هذا الاهتزاز تراجع شعبية إسرائيل في أميركا نحو 60%. فيما تتعزّز عضوية العلاقة بين إيران وحزب الله، فتنقشع حقيقة اللعب الإيراني على القضية الفلسطينية، حقيقة استثمارها بها، حتى وصلت إلى أنها قوة عظمى إقليمية تتجنّب إغضابها أقوى دولة. وهي لن تتمكّن، بعد كل هذه العظمة، من البيع والشراء في السوق الفلسطيني. وهذا مؤشّر إيجابي، يعيد ربما إلى الفلسطينيين قرارهم بمصيرهم، مهما كان صعبا… إلا إذا رماهم في أحضان قوةٍ استفادت من التجربة الإيرانية.

