من الشقيقة مصر اشترى صديقي العزيز عدّة أدوية بأسعار زهيدة جداً مقارنةً بأسعارها في المملكة!.
فدواء للسيولة مثلاً سعره 230 ريالا لدينا بينما هو هناك 22 ريالا، ودواء الكوليسترول لدينا 135 ريالا بينما هو هناك 58 ريالا، ودواء للمعدة هنا 88 ريالا وهناك 12 ريالا، ودواء لتضخم البروستاتا الحميد هنا 96 ريالا وهناك 7 ريالات فقط، رغم أنها نفس الأدوية، ونفس التركيزات الكيماوية، بل ونفس شركات الإنتاج والأسماء التجارية، ولله في خلقه شؤون!.
وأنا لا أعترض على حقّ صيدلياتنا في تحقيق الأرباح، لكنّ الفارق الشاسع بين الأسعار يثير تساؤلات مشروعة حول آليات التسعير، وهوامش الربح، وتكاليف التوزيع، وحول مدى استفادة مرضانا من المنافسة الشريفة بين شركات الأدوية.
كما أنّ انتشار التأمين الصحي عندنا أدّى إلى إضعاف حساسية السوق تجاه الأسعار، فعندما لا يدفع المريض الثمن مباشرة، أو يدفع جزءاً يسيراً منه، تقلّ الضغوط على الشركات والموردين لخفض الأسعار، وفي المقابل تتحمل شركات التأمين التكاليف، ثم تنعكس هذه التكاليف لاحقًا على أقساط التأمين التي يدفعها مرضانا سواء بشكل فردي أو ضمن برامج التأمين الجماعية، ولا أنسى أنّ هناك من ليس لديه تأمين ممّا يجعلهم الطرف الخاسر الأكبر!.
والمطلوب هو إعادة النظر في أسعارنا، فالمجال لتخفيضها دون الإضرار بصناعة الدواء أو المستثمرين هو مجال ممكن ومفتوح، مع تعزيز الشفافية والمنافسة، وتشجيع البدائل، والقضاء على الفروقات السعرية الكبيرة التي يصعب تحمّلها، فيمرض جيب المشتري قبل أن يمرض جسده، شفاهما الله!.
وتجارة الدواء لدينا تحتاج لثقافة جديدة هي أنّ الدواء ليس سلعة كمالية يمكن الاستغناء عنها أو تأجيل شرائها، بل حاجة أساسية تتعلق بصحة الإنسان وحياته. وعندما يجد المريض أن الدواء نفسه يباع (هنا وهناك) بفارق ضخم، فمن حقه أن يسأل، ومن حق الجهات المختصة أن تشرح، ومن حق السوق أن يكون أكثر عدالة ورحمة!.
والدواء في النهاية ليس مجرد عُلبة تُباع على رفوف الصيدليات، بل هو حق يجب أن يكون متاحاً بسعر متوفر ومعقول في الجيب وليس سعراً تجده في علم الغيب، ويا أمان المرضى في كلّ مكان.