أصدرت محكمة ستراسبورغ الفرنسية حكمها في قضية أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية، حيث أبطلت الملاحقة القضائية بتهمة التشهير ضد الباحثة فلورانس بيرجو بلاكلر، من المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS)، المتخصصة في دراسة تنظيم الإخوان المسلمين.

القضية كانت بدأت بتغريدة وانتهت بنقاش حول حدود حرية التعبير الأكاديمي ودور الجامعات في ملفات الإسلام السياسي.

تغريدة أشعلت المعركة.

 تعود جذور القضية إلى الرابع من آذار/مارس 2025، عندما نشرت بيرجو بلاكلر على منصة “إكس” تغريدة علّقت فيها على منشورات إيمان الفيكي، طالبة الدكتوراه في السوسيولوجيا بجامعة ستراسبورغ، والتي كانت شاركت صورة لتظاهرة تدعو إلى “تحرير فلسطين من النهر إلى البحر”.

قالت الباحثة في تغريدتها: “لا تظنوا أن هذه حالة منفردة. الأيديولوجيا الإخوانية تسللت تدريجياً إلى الجامعات على مدى ثلاثين عاماً. إنها تؤدي دوراً متنامياً في صياغة الدراسات المتعلقة بالإسلام المعاصر، وتهيمن على لجان تحكيم المجلات التي لا تسمح بأي منهج نقدي. هذا ما يُسمى تأسلم المعرفة، وهو مشروع للإخوان المسلمين كما أوضحته في كتابي”.

وأقامت الفيكي دعوى تشهير بحقها بتهمة “التشهير العلني بسبب الأصل والعرق والقومية والدين”، لكن المحكمة قضت ببطلان الملاحقة؛ لأن النص المطعون فيه لم يُحدَّد بدقة المقاطع المُدانة كما تشترط إجراءات قانون الصحافة الفرنسي، بحسب صحيفة “لوفيغارو”.

الجامعة تموّل الملاحقة.

 ما يجعل هذه القضية أكبر من خلاف بين شخصين هو تدخّل مؤسسة الجامعة نفسها. ففي العاشر من نيسان/أبريل 2025، توجّهت الفيكي بطلب رسمي إلى إدارة جامعة ستراسبورغ طالبةً دعمها ضد ما وصفته بـ”منشورات تشهيرية تمس سمعتها ونزاهتها العلمية وأمنها الشخصي”.

وفي الثاني والعشرين من أيار/مايو، ردّت رئيسة الجامعة فريديريك بيرود شخصياً بأنها تؤكد “دعم المؤسسة لها في هذا الملف”، وأبلغتها عزمها الإسهام في تغطية 1800 يورو من أتعاب محاميها، كما أبلغت المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS) بمضمون تغريدات الباحثة.

لكن الفيكي، كطالبة دكتوراه، لا تحمل صفة موظفة عامة، وبالتالي فهي غير مؤهلة للحصول على الحماية القانونية التي تُغطي عادةً موظفي الدولة عند التقاضي.

“دعوى ذات دوافع أيديولوجية”.

 لويس كاييه، محامي بيرجو بلاكلر، ذهب أبعد في توصيف المشهد، وقال لمجلة “لو جورنال دو ديمانش” إن الفيكي شاركت بصفتها متحدثة رئيسية في مؤتمر لمنظمة “الجماعية ضد الإسلاموفوبيا في أوروبا” (CCIE)، الموالية للإخوان، في كانون الأول/ديسمبر 2024، وإنها في أيار/مايو 2026 أحيت محاضرة في الجامعة ذاتها لصالح “الطلاب المسلمين في فرنسا” (EMF)، الذراع الطلابية لمنظمة “مسلمو فرنسا” المصنفة حكومياً امتداداً للإخوان في هذا البلد الأوروبي.

وختم كاييه: “لقد اتبعت المحكمة البوصلة الوحيدة الجديرة بالاتباع، القانون وحده، في إجراءات ذات دوافع أيديولوجية كانت تستهدف إسكات العمل الشجاع والمفيد لفلورانس بيرجو بلاكلر حول تغلغل الإخوان في المجال الجامعي الفرنسي”.

من جهتها، احتفلت الباحثة بـ”الانتصار” القضائي على منصة “إكس”، لكن القضية مرشحة لإحداث موجة في النقاش الأكاديمي والسياسي الفرنسي، ولا سيما في ضوء جدل متصاعد حول حدود التمييز بين حرية التعبير والتشهير حين يتعلق الأمر بانتقاد الأيديولوجيات الدينية والسياسية داخل الجامعة.