قدّمت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة بعثة الدعم في ليبيا، هانا تيتيه، اليوم الخميس، إحاطة شاملة أمام مجلس الأمن الدولي تناولت فيها تطورات الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية والقضائية في ليبيا، محذّرة من هشاشة التقدم المحرز في العملية السياسية واستمرار الانقسامات المؤسسية، ومؤكدة أن الأمم المتحدة لا تهدف إلى توطين المهاجرين في ليبيا. كما شددت على ضرورة استثمار الفرصة الحالية لتحقيق اختراق سياسي يقود إلى انتخابات وطنية، مع معالجة التحديات الأمنية والاقتصادية وتعزيز سيادة القانون.
ملف المهاجرين
وقالت تيتيه إن «العملية السياسية في ليبيا اكتسبت بعض الزخم، إلا أن التقدم لا يزال هشًا، ويتعرض لاختبارات» بسبب ما وصفتها بـ«موجة من المعلومات المضللة والتحريض، تستهدف اللاجئين والنازحين ووكالات الأمم المتحدة وموظفيها في ليبيا».
وأشارت إلى أن «المزاعم المضللة بشأن خطط أممية لتوطين المهاجرين خلقت أجواءً من العدائية والعنف ضد العاملين في المجال الإنساني وطواقم الأمم المتحدة، وتسببت في أعمال عنف استهدفت مقرات الأمم المتحدة واللاجئين في ليبيا»، مجددة التأكيد على أن «الأمم المتحدة في ليبيا لا تهدف إلى توطين المهاجرين واللاجئين».
وأكدت المبعوثة الأممية أن الهجرة تمثل أحد الشواغل المشروعة للشعب الليبي، إلا أنه ينبغي التعامل معها استنادًا إلى الوقائع لا إلى المخاوف، ومن خلال خطاب عام مسؤول، بعيدًا عن السرديات التحريضية والاستفزازية. وتابعت: «أقولها بوضوح، إن الأمم المتحدة في ليبيا لا تعمل على توطين المهاجرين في البلاد، وإن التعامل مع مختلف التحديات التي تواجه ليبيا يتطلب جهدًا مشتركًا».
الحوار المهيكل
بشأن الحوار المهيكل، أكدت تيتيه أنه أصدر نحو 600 توصية تعالج أبرز التحديات البنيوية في ليبيا، وتدعو إلى العودة إلى مؤسسات دولة فاعلة وموحدة ومشروعة وخاضعة للمساءلة، والتوصل إلى توافق سياسي واضح لإجراء انتخابات وطنية موثوقة.
وأضافت أن «التوصيات أكدت ضرورة ترسيخ سيادة القانون واستقلال القضاء، ومعالجة القضايا المتعلقة بالعدالة الانتقالية، وتعزيز حوكمة أكثر اتساقًا وشمولًا، إلى جانب اعتماد تدابير تعالج الاختلالات الاقتصادية، وتضمن مزيدًا من الشفافية والمساءحة في إدارة الموارد العامة، وتيسير سياسات تدعم استقرار الاقتصاد وتعزز تنويعه وتكفل تنمية عادلة».
كما اعتبرت أن هذه التوصيات «تمثل أفضل وأشمل تعبير عن الأولويات الليبية خلال السنوات الأخيرة، وتشكل أساسًا لملكية ليبية للعملية السياسية، بما يفضي إلى إجراء انتخابات ويعالج الأسباب البنيوية لانعدام الاستقرار في البلاد».
مقترح بديل لدفع العملية السياسية
وقالت المبعوثة الأممية إنها ستقدم لمجلس الأمن الدولي «مقترحًا لدفع العملية السياسية في ليبيا إذا تعثر تنفيذ خارطة الطريق» التي أطلقتها البعثة في أغسطس 2025، وذلك «استنادًا إلى أحكام الاتفاقات القائمة بما فيها الاتفاق السياسي الليبي» الموقع في الصخيرات عام 2015، مجددة التزام البعثة «بعملية جامعة لكل الأطراف».
ورأت تيتيه أن تحقيق هذه الغاية «يتطلب قيادة مسؤولة ومؤسسات موحدة وفعالة لإعادة الثقة العامة»، لافتة إلى أن «الحكومة التي تحظى بدعم عام كبير وبولاية سياسية واضحة قادرة على القيام بذلك، لكن التحديات لا يمكن أن تعالج عبر الفبركة والتضليل».
«الحوار المصغر»
وأوضحت أن «الحوار المصغر»، الذي عقد ثلاثة اجتماعات سابقة، أحرز «بعض التقدم في المسار الانتخابي»؛ حيث تهدف البعثة الأممية من خلال مواصلة الجهود والتواصل مع كافة الأطراف الليبية إلى الدفع قدماً بخريطة الطريق الخاصة بالعملية السياسية. لكنها نبهت إلى أنه «إذا عجزت الجهات الليبية عن العمل معًا لتنظيم الانتخابات ضمن فترة زمنية معقولة، فالاستمرار بالتعويل على هذه العملية وحدها لن يكون كافيًا لتشكيل حكومة من اختيار الشعب الليبي».
– مندوب أميركا: نواصل دعم العملية السياسية بما يتماشى مع خريطة الطريق الأممية في ليبيا
– مندوب بريطانيا: نرحب بالحوار المهيكل ونناشد الأطراف الليبية تنفيذ خريطة الطريق الانتخابية
أزمة السلطة القضائية
تطرقت تيتيه في إحاطتها إلى أزمة السلطة القضائية في ليبيا، وقالت لمجلس الأمن: «إلى يومنا هذا لم يجرِ التوصل إلى إنهاء الانقسام الحاصل بين المجالس القضائية والهيئات الدستورية، وهذا يؤدي إلى أحكام متعارضة وفوضى». وأضافت أن لجنة الوساطة التي جرى تشكيلها من قبل شخصيات محلية «اقترحت إعادة هيكلة المجلس الأعلى للقضاء، وقد لقي هذا قبولاً عاماً»، مناشدة القيادات الليبية تسريع الجهود لتسوية مسألة الانقسام القضائي الحاصل.
المسار الاقتصادي
أكدت المبعوثة الأممية أن المسار الاقتصادي في ليبيا «يمثل تهديدًا خطيرًا لاستقرارها ورفاه مواطنيها»، مشيرة إلى أن ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية «يضغط على الأسر ويؤثر على توفير الخدمات الاجتماعية في كافة المناطق»، متابعة: «يجب ترجمة الاتفاقات الأخيرة بين الأطراف والمؤسسات الليبية بشأن الميزانية الموحدة لخطوات عملية تحسن إدارة المالية العامة وتحسن الحوكمة الاقتصادية».
وقالت إن مصرف ليبيا المركزي «اعتمد أخيرًا خطوات تسمح بزيادة النفاذ إلى العملات الأجنبية حتى لا يجري التعويل على السوق الموازية وعدم التعامل بالعملات الأجنبية، لكن هذا يجب أن يجري وفق رقابة قوية وتعزيز الشفافية لوقف التدفقات المالية غير المشروعة وتطبيق إصلاحات حقيقية».
وأضافت أن مناطق في جنوب ليبيا «تعاني في الشهور الماضية من إدارة نظم الدعم وتهريب النفط المكرر، مما ينعكس سلباً على المستهلك الليبي»، مضيفة أن تقرير هيئة مكافحة الفساد بشأن الرقابة الصيدلانية والنفطية أظهر «زيادة غير مسبوقة في استهلاك النفط بنسبة 621% من قبل الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة وباقي الجهات، وهو ما يعكس تهريبًا غير مسبوق للنفط».
الوضع الأمني
في الملف الأمني، أكدت تيتيه أن «الوضع الأمني الهش في ليبيا يتعرض لضغوطات مستمرة» بفعل استمرار الأزمة السياسية في البلاد، مشيرة إلى تجدد العنف في الزاوية والاشتباكات المتكررة بين مختلف المجموعات المسلحة بالقرب من الأحياء المأهولة بالسكان. وقالت: «يظل استخدام الأسلحة الثقيلة في المناطق المأهولة وإيذاء المدنيين يثير شواغل كبيرة بموجب القانون الإنساني الدولي»، لافتة إلى وجود «حشد عام في طرابلس للمناطق المرتبطة بالهجرة، وتكثف هذا الشهر بسبب المعلومات المضللة المتداولة عبر وسائط الإعلام، وتجمع مئات المتظاهرين خارج مقرات مفوضية المهاجرين والبعثة الأممية، وأقفل المتظاهرون أبواب المفوضية ومنعوا الدخول للمقر».
وأشارت إلى تعرض مداخل مقر البعثة الأممية في طرابلس للتضرر «بالحجارة من قبل المتظاهرين»، معتبرة أن هذا الوضع بات «يستوجب تنسيقًا أمنيًا واسعًا» مع الجهات الوطنية المختصة، «بما يسمح بتخطي التحديات الأمنية في ليبيا، ويمهد الطريق نحو توحيد المؤسسات الوطنية»، كاشفة أن «الدول المشتركة بالمجلس تيسر تدريب قوات من الطرفين، وهو ما نرحب به لتعزيز التوحيد».
التوقيف التعسفي والاحتجاز
شددت تيتيه على أن «التوقيف التعسفي والاحتجاز، بما في ذلك لجهات سياسية ومعارضين، يجب أن ينتهي، ولا بد من حماية حرية التعبير والمشاركة العامة»، متعهدة بمواصلة البعثة الأممية «تعزيز سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان في ليبيا».

