أمد/ صوت المقهورين ليس خيانة. فعندما يُدفع الناس إلى حافة العجز، ويصبح الحصول على الطعام والماء والدواء والأمان معركة يومية، فإن الاحتجاج يتحول من خيار سياسي إلى فعل إنساني مشروع.

إن الدعوات التي تُطرح في السادس والعشرين من يونيو، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا حول أهدافها وآلياتها، تعكس حالة تراكمية من الغضب والإحباط والخذلان الذي عاشه أهل غزة خلال سنوات طويلة من الحصار والحروب والانقسام والتراجع المؤسسي. فالمجتمعات لا تنفجر في يوم واحد، بل تصل إلى لحظة يصبح فيها الصمت أثقل من الكلام، والخوف أقل كلفة من استمرار الواقع.

القضية اليوم ليست مجرد بقاء فصيل أو رحيل فصيل، وليست معركة على من يجلس على كرسي الحكم، بل هي سؤال أعمق يتعلق بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني كله: أين مكان المواطن؟ وأين حقه في المحاسبة؟ وأين حقه في أن يعيش بكرامة دون أن يُطلب منه في كل مرة أن يؤجل مطالبه بحجة الظروف الاستثنائية؟

لقد أثبتت التجارب أن الشرعية الحقيقية لا تُقاس بطول البقاء في السلطة، بل بقدرة السلطة على تجديد نفسها والاستماع إلى شعبها واحترام إرادته. فكل سلطة تنفصل عن نبض الناس تبدأ تدريجياً بفقدان مبرر وجودها، لأن جوهر السياسة في النهاية هو خدمة الإنسان لا إدارة معاناته.

غزة اليوم لا تحتاج إلى تبادل للاتهامات، ولا إلى تخوين الأصوات الغاضبة، ولا إلى استثمار الألم في معارك النفوذ. غزة تحتاج إلى مراجعة وطنية شاملة تعترف بالأخطاء، وتعيد بناء المؤسسات على أسس المشاركة والشفافية والمساءلة، وتُنهي حالة احتكار القرار التي دفعت المجتمع إلى هذا المستوى من الاحتقان.

فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها لا تتنازل إلى الأبد عن حقها في الكرامة. وحين يخرج الناس للمطالبة بحقوقهم، فإن الحكمة ليست في إسكاتهم، بل في الإصغاء إليهم. لأن الأوطان لا تُبنى بالخوف، ولا تستقر بالقوة وحدها، بل بالعدالة والثقة والشعور بأن المواطن شريك في القرار لا مجرد متلقٍ لنتائجه.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن غزة أكبر من أي فصيل، وأبقى من أي سلطة، وأن كرامة الإنسان الفلسطيني يجب أن تكون فوق كل الاعتبارات السياسية والتنظيمية والحزبية. فالأوطان التي تُقدِّم الإنسان على السلطة تتعافى، أما الأوطان التي تُقدِّم السلطة على الإنسان فتظل تدور في الحلقة ذاتها مهما تغيرت الشعارات والأسماء.
السلام عليكم….