أعاد كتاب “لا سمع ولا طاعة” للكاتبة والصحفية المصرية عبلة الرويني إشعال النقاش حول واقع العمل الصحفي وحدود الحرية في المؤسسات الإعلامية، بين اعتبارات المسموح والممنوع بعد أشهر قليلة من صدوره.

فالكتاب لا يقتصر على كونه سيرة مهنية لكاتبته، بل يقدم شهادة شخصية ومهنية ترصد تحولات الصحافة المصرية، وما صاحبها من مساحات اتسعت أحيانًا وضاقت أحيانًا أخرى أمام الكلمة والرأي. 

شهادة ذاتية عن تغيرات الصحافة.

وتستهل عبلة الرويني كتابها، الذي يتألف من تسعة فصول، بشهادة ذاتية تؤكد فيها أنها ظلت وفية لقناعاتها الفكرية وضميرها المهني، معتبرة أن كتاباتها حافظت على النسق ذاته مهما اختلفت المنصات والصحف التي نشرت فيها.

ولا تخفي الكاتبة شعورها الدائم بأنها تنتمي إلى “الهامش”، إذ تصف نفسها بأنها كانت ضيفة على كثير من الصحف التي عملت بها، تكتب دون أن تكون معبرة بالضرورة عن توجهاتها التحريرية، غير أنها تستثني من ذلك، فترة رئاستها لتحرير صحيفة “أخبار الأدب”، التي تصفها بأنها كانت تمثل “جريدة الهامش داخل مؤسسة أخبار اليوم”.

وعبر صفحات الكتاب، تستعرض الرويني رحلتها الطويلة مع الكتابة، منذ فترات التوهج والسعي إلى التحليق في فضاءات الحرية، وصولًا إلى ما تسميه مراحل “التبريد” و”تجفيف المقال”، حيث تُفند رؤيتها حول كيفية اللجوء تدريجيًا إلى تخفيف حدة اللغة والانحيازات المباشرة والعبارات الساخرة، أملًا في تمرير المقالات بعيدًا عن مقص الرقيب.

وترى الكاتبة أن تجربتها في جريدة “الأخبار” كانت الأكثر معاناة والأكثر تحققًا في آن واحد، فبرغم ما تعرضت له من حذف ومنع ورقابة، فإنها تعتبر أن مقالاتها هناك كانت الأشد تأثيرًا بحكم الانتشار الواسع للجريدة وطبيعة جمهورها، ما جعلها دائمًا في دائرة الضوء والجدل.

مقالات محذوفة وإعادة التدوير.

كما تعترف بأنها كانت تحاول رد الاعتبار للمقالات المحذوفة بإعادة تدوير أفكارها وصياغتها في نصوص جديدة، مستعيدة في هذا السياق كلمات الشاعر والمناضل الكابتن غزالي، أحد أشهر رموز المقاومة الشعبية والمُلقب بـ “شاعر السمسمية” الأشهر في مدن القناة، التي تدعو إلى جمع ما تبقى وإعادة تشكيله في صورة قادرة على المقاومة والاستمرار.

ويضم الكتاب فصلين تخصصهما الرويني لعرض نماذج من مقالاتها التي تعدها محطات مهمة في مسيرتها المهنية. ففي فصل “الفئران المذعورة” تستعيد مقالات نشرتها في صحيفة “الوطن” خلال مرحلة شهدت توترًا بين الإعلام والسلطة، بينما يقدم فصل “كتابة تشبه كاسترو” نماذج من مقالاتها خلال توليها رئاسة تحرير مجلة أخبار الأدب.

وفي استراحة أكثر هدوءًا، تأخذ الكاتبة القارئ إلى فصل “صباحات النشيد”، حيث تستعيد سنوات الطفولة والمراهقة، وذكرياتها مع مدارس الراهبات وتعلم الموسيقى واكتشاف الشعر والثقافة، في موازاة لمحات من المشهد السياسي والاجتماعي الذي أحاط بتلك المرحلة وأسهم في تشكيل وعيها.

ومن خلال استعراض تجربتها في صحيفة الأهالي، تنتقل الرويني إلى تناول الواقع السياسي بصورة غير مباشرة. إذ تعكس تفاصيل الحياة داخل الجريدة ملامح أوسع من المشهد العام، بما يتضمنه من ضغوط وملاحقات ومحاولات للمراوغة والالتفاف على القيود المفروضة على النشر.

ويبرز الكتاب كذلك ما تصفه الكاتبة بحالة التصنيف والتنميط التي لاحقت المبدعين والصحفيين، حيث يمكن للانتماءات المفترضة أو لمكان العمل أن تتحول إلى معيار للحكم على الكاتب وإبداعه، في أجواء تصفها بالمرتبكة والمحبطة.

فنجان شاي مع هيكل ودعوة لحفظ مُقتنيات المُبدعين.

وفي الفصل السادس، المعنون بـ “فنجان شاي مع هيكل”، تعود الرويني إلى لقائها بالكاتب والصحفي الراحل محمد حسنين هيكل، مجددة دعوتها القديمة لإنشاء بيوت للمبدعين تحفظ مقتنياتهم وتوثق تجاربهم لتبقى جزءًا حيًا من الذاكرة الثقافية. وهي دعوة تقول إنها لا تزال تتمسك بها رغم مرور سنوات طويلة على طرحها دون استجابة.

ويختتم الكتاب جانبًا من شهادات كاتبته بسرد نماذج متعددة من وقائع المنع والحذف، كاشفًا عن مفارقات يصفها القارئ بأنها شديدة العبثية.

فمن خلال أمثلة واقعية، توضح الرويني كيف يمكن لكلمة واحدة أن تقلب المعنى رأسًا على عقب، وكيف تتحول الرقابة أحيانًا إلى أداة لتصفية الخلافات الشخصية، أو إلى وسيلة لإضفاء أبعاد سياسية خطيرة على عبارات عادية، في مشهد يلخص كثيرًا من التحديات التي واجهتها الصحافة خلال عقود من التحولات المتعاقبة.