يتزايد عدد السفن العابرة لمضيق هرمز المسؤول عن تمرير 20% من إمدادات الطاقة العالمية، كما تبدأ الأسواق في استقبال براميل النفط الإيراني بعد سنين من الحظر، عقب قرار الولايات المتحدة الأميركية رفع العقوبات عن طهران لمدة 60 يوماً.

ورفعت الولايات المتحدة عقوبات كانت تفرضها على إيران لمدة 60 يوماً اعتباراً من يوم أمس الاثنين، وذلك بعد أول محادثات في إطار اتفاق إنهاء الحرب بين البلدين، في حين أفاد مسؤولون بهدوء الأوضاع في لبنان بموجب الاتفاق الذي يهدف إلى إنهاء الأعمال القتالية في أنحاء المنطقة.

كما سمحت الولايات المتحدة يوم الاثنين ببيع النفط الإيراني، ما خفف العقوبات المفروضة منذ عشرات السنين، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى التوصل لاتفاق نهائي مع طهران مقابل التزامات تتعلق بعمليات التفتيش النووي وحرية المرور عبر مضيق هرمز. 

عودة الناقلات.

بدأت حركة ناقلات النفط تتزايد عبر مضيق هرمز، وعادت أسعار النفط إلى التراجع بعد عطلة نهاية الأسبوع التي بدأ فيها اتفاق السلام مهدداً، بعد أن لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستئناف الحرب إذا أغلقت إيران الممر المائي.

وقال جيه. دي. فانس، نائب الرئيس الأميركي، أمس الاثنين، إن المحادثات مع المسؤولين الإيرانيين في سويسرا أرست أساساً جيداً لاتفاق سلام نهائي، لكن إيران نفت مناقشة برنامجها النووي.

كانت المفاوضات بين البلدين قد شهدت تعثراً عند بدايتها يوم الجمعة الماضي، مع إلغاء أول جولة للتفاوض وعودة تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تزامنت مع إعلان جديد من طهران إغلاق مضيق هرمز. 

رد فعل البرميل.

انخفضت أسعار النفط بأكثر من 3% أمس الاثنين، مع تراجع المخاوف بشأن الإمدادات عقب تصريح جيه. دي. فانس بأن المحادثات مع إيران أحرزت تقدماً وأن مضيق هرمز قد فُتح.

وتراجع خام برنت 2.67 دولار، أو 3.31%، ليسجل 77.90 دولار للبرميل عند التسوية، وكانت الأسعار ارتفعت في بداية التداولات إلى 82.30 دولار بسبب تهديدات من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعادة إشعال الحرب مع إيران، وإعلان طهران إغلاق المضيق مجدداً.

كما اختتم خام غرب تكساس الوسيط الأميركي التداولات عند 74.82 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.78 دولار أو 2.32%، وخسر عقد أغسطس الأكثر تداولا 1.99 دولار ليسجل 73.86 دولار للبرميل عند التسوية.

كذلك ارتفعت أسعار النفط بشدة إلى 120 دولاراً للبرميل عندما بدأت طهران إغلاق مضيق هرمز، ما دفع الولايات المتحدة إلى فرض حصار على الموانئ الإيرانية، لكنها انخفضت بعد الاتفاق المؤقت إلى أدنى مستوياتها منذ ما قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب على واجهة هاتف ذكي، ومن خلفه صورة تعبيرية لتحركات الأسواقالمصدر: شاتر ستوك

نفط إيران.

بلغت طاقة إنتاج النفط الإيراني قبل الاضطرابات الأخيرة نحو 3.3 إلى 3.5 ملايين برميل يومياً، بينما شهدت صادراتها تقلبات حادة في النصف الأول من عام 2026 نتيجة الحرب والحصار البحري، قبل أن تبدأ بالتعافي السريع إثر توقيع مذكرة تفاهم جديدة.

تخطط إيران ضمن موازنتها العامة للوصول بالإنتاج إلى 3.75 ملايين برميل يومياً من النفط الخام، يضاف إليها نحو 690 ألف برميل من السوائل الغازية، في وقت تستهلك المصافي المحلية داخل إيران ما يقارب 2 إلى 2.6 مليون برميل يومياً لتلبية الاحتياجات الداخلية وتصنيع المنتجات النفطية.

عقب دخول مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة حيز التنفيذ في 18 يونيو 2026، أعلنت طهران، بحسب بيانات مجموعة «تانكر تراكر» المتخصصة، عن قفزة قياسية بتصدير 36 مليون برميل خلال 5 أيام فقط (بمعدل يتجاوز 7 ملايين برميل يومياً مؤقتاً لتفريغ المخزونات المتراكمة).

قبل هذا الاتفاق بأيام، رصدت مؤسسات التتبع مثل «كبلر فورتكس» تراجع الصادرات الإيرانية في شهر مايو 2026 إلى أدنى مستوياتها في 6 سنوات، لتصل إلى ما بين 209 إلى 300 ألف برميل يومياً فقط نتيجة الحصار واضطراب الملاحة في مضيق هرمز.

وأظهرت التقارير الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) بيانات مستقرة لعام 2025، إذ بلغ متوسط تصدير إيران للنفط الخام والمكثفات الغازية 1.576 مليون برميل يومياً، وحققت طهران عائدات نفطية بلغت 48 مليار دولار خلال العام. 

ثقة الشحنات.

قال رئيس قسم الأبحاث في شركة «سبارتا للسلع» نيل كروسبي: «سيكون من الصعب إعادة تشغيل سلاسل إمداد السفن بسلاسة في منطقة الخليج العربي».

ولفت كروسبي في مذكرة إلى أن بعض مالكي السفن سيظلون مترددين في إرسال سفنهم إلى الخليج حتى يتلقوا رداً من شركات التأمين.

كما خفضت شركة «سيشن» للاستشارات في قطاع الطاقة توقعاتها لمتوسط سعر خام برنت إلى 75 دولاراً و70 دولاراً للبرميل للربعين الثالث والرابع من 2026 على التوالي، مشيرةً إلى توقعاتها باستئناف حركة التجارة في مضيق هرمز وعودتها إلى وضعها الطبيعي.

كذلك قالت شركة «كلاركسونز» لوساطة الشحن في مذكرة: «لا تزال حركة السفن العابرة يومياً دون 125 سفينة، وهو العدد الذي كان متعارفاً عليه قبيل اندلاع الأعمال القتالية مع إيران، لكن الاتجاه العام يتسم بالإيجابية».

قاطرة تحمل العلم الإيراني تبحر بالقرب من سفينة راسية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس في جنوب إيران، 4 مايو 2026.المصدر: «أ ف ب»

تدفق البضائع.

قال رئيس قسم الأبحاث في شركة «بيبرستون» كريس ويستون إنه ليس من المستغرب سرعة انهيار الالتزام ببنود الاتفاقية، وأضاف: «في نهاية المطاف، ما يهم الأسواق هو تدفق البضائع عبر مضيق هرمز».

وأظهرت بيانات الشحن انخفاضاً حاداً في عدد السفن التي عبرت الممر المائي يوم الأحد بعد إعلان طهران إغلاق المضيق، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط، حيث ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 1.30% لتصل إلى 81.62 دولاراً للبرميل، قبل أن تعود للانخفاض.

وقال ويستون: «لا يزال السوق المادي متشدداً، وهذا من شأنه أن يوفر بعض الدعم، لكن تدفقات العملات الأجنبية والسلع، وخاصة الذهب، ستظل تتأثر بشدة بالتطورات في قطاع الطاقة». 

عودة صعبة.

قال محلل السوق في منصة «آي.جي» توني سيكامور في مذكرة للعملاء: «لا يزال طريق العودة إلى التدفقات الطبيعية للإمدادات بعيداً عن أن يكون سهلاً».

وأضاف سيكامور: «حتى مع الاتفاق الحالي، لا يزال من غير الواضح مدى السرعة التي ستعود بها تدفقات الإمدادات إلى السوق لطبيعتها».

تابع أيضاً: «إزالة الألغام، واستعادة تغطية التأمين البحري الكاملة، وجعل السفن ومشغليها يشعرون بالثقة الكافية للعودة إلى الخليج، سيستغرق وقتاً، وكذلك إعادة تشغيل الآبار المغلقة والبنية التحتية المتضررة في المنطقة».

تشير تقديرات بنك «جيه بي مورغان» إلى أن حركة المرور الملحوظة عبر المضيق لا تتجاوز حالياً 15% من مستويات ما قبل الحرب.

تمر أمام شاشة تعرض بثاً مباشراً لخطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول حرب إيران، في العاصمة الكورية الجنوبية، سيئول، يوم 2 أبريل 2026.المصدر: (أ ف ب)

مخزونات واشنطن.

أظهرت بيانات وزارة الطاقة الأميركية أن مخزونات النفط الخام في الاحتياطي الاستراتيجي انخفضت الأسبوع الماضي إلى 331.2 مليون برميل، وهو أدنى مستوى لها منذ يونيو  1983، مع تقلص الإمدادات في أعقاب اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.

وانخفضت مخزونات النفط الخام في الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي بمقدار 9.05 مليون برميل الأسبوع الماضي، وهو ثالث أكبر انخفاض مسجل، ويأتي هذا الانخفاض في إطار اتفاق أميركي لسحب 172 مليون برميل من الاحتياطي للمساعدة في خفض أسعار الوقود.

نقطة تحول.

كتب محللو «آي إن جي»: «نعتقد أن السوق سيصل إلى نقطة تحول في أواخر يوليو إذا لم نشهد استئناف تدفقات النفط قبل ذلك، عندها ستدفع مستويات المخزون والطلب الموسمي الأقوى أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير نحو 120 ـ 130 دولاراً للبرميل».

كما يرى بعض الخبراء أن التراجع الحاد الحالي قد يتحول إلى فرصة شراء جديدة إذا تأخر تنفيذ الاتفاق أو ظهرت عراقيل سياسية وعسكرية تمنع عودة الإمدادات بالسرعة التي تراهن عليها الأسواق.

إلا أن عودة النفط الإيراني لا تعني بالضرورة إغراق السوق فوراً، إذ إن جزءاً كبيراً من البراميل المتاحة قد يذهب لتعويض النقص الذي خلفته الحرب وإعادة بناء المخزونات التجارية، بينما سيظل اختفاء علاوة المخاطر بالكامل مرهوناً باستمرار الهدنة وعودة الملاحة والتأمين البحري إلى مستويات ما قبل الصراع.