جدول المحتوى
.
- مطالب شعبية بالمحاسبة والعدالة الانتقالية
- انقسامات داخلية واستراتيجية الجيش في الميدان
تثير خطوة الجيش السوداني بضم قادة ميدانيين سابقين من قوات الدعم السريع حالة من الجدل الواسع في الشارع السوداني، خاصة مع منح هؤلاء القادة رتبا عسكرية رغم تورطهم المزعوم في انتهاكات جسيمة خلال سنوات الصراع. وكشفت التحركات الاخيرة عن استراتيجية عسكرية تهدف لاستغلال الانقسامات القبلية داخل صفوف الدعم السريع، حيث تم استقبال شخصيات بارزة مثل علي رزق الله المعروف بالسافانا والنور قبة في معسكر الجيش، مما اعتبره مراقبون محاولة لترجيح كفة الميدان عبر استقطاب المنشقين.
واضافت تقارير ميدانية ان هذا التحول في التحالفات يواجه برفض شعبي عارم، حيث يرى الضحايا والنازحون في دارفور وغيرها من الاقاليم ان انشقاق هؤلاء القادة لا يعفيهم من المساءلة القانونية عن الجرائم التي ارتكبت تحت قيادتهم. واوضحت شهادات حية لمعاناة مدنيين تعرضوا للترهيب والنهب والتهجير القسري ان العدالة تظل المطلب الاساس، بعيدا عن الحسابات العسكرية التي قد تمنح المعتدين حصانة غير مستحقة.
وبينت حليمة اسماعيل، وهي احدى الناجيات من عنف قوات الدعم السريع، ان رؤية هؤلاء القادة يعيشون بحرية ويظهرون في وسائل الاعلام يمثل طعنة في قلب العدالة، مؤكدة ان الندوب التي خلفتها ممارساتهم لا يمكن محوها بمجرد تغيير الولاء السياسي او العسكري. وشدد الكثير من المتضررين على ان الانشقاق لا يغسل سجلات العنف التي شهدتها قرى دارفور ومدنها خلال سنوات الحرب الدامية.
مطالب شعبية بالمحاسبة والعدالة الانتقالية
واكد نشطاء ومحامون حقوقيون ان افلات المنشقين من العقاب سيؤدي الى مزيد من الاحتقان المجتمعي، مشيرين الى وجود عشرات الدعاوى القضائية التي يسعى الضحايا لتحريكها ضد من تسبب في نهب الممتلكات وتدمير القرى. واوضح اعضاء في مجموعة محامو الطوارئ ان العدالة الانتقالية هي المسار الوحيد لضمان حقوق الضحايا، محذرين من ان المعالجات الجزئية التي تتبعها السلطات قد تقوض فرص بناء سلام مستدام في البلاد.
واشار النور قبة، احد القادة المنشقين، في تصريحاته الى ان انضمامه للجيش لا يهدف للهروب من العدالة، معلنا استعداده للمثول امام القضاء اذا ما وجهت اليه اتهامات رسمية، وهو ما يراه قانونيون اختبارا حقيقيا لجدية السلطات في التعامل مع ملفات الانتهاكات. واضاف ان الهيكل التنظيمي لقوات الدعم السريع كان يقوم على اساس قبلي وعنصري يخدم مصالح اسرة قائدها، مما دفع الكثيرين للمغادرة بحثا عن مسار مختلف.
واظهرت تحليلات الباحثين في قضايا الصراعات ان الجيش السوداني يراهن على تفكيك بنية الدعم السريع من الداخل عبر استمالة العشائر المكونة لها، خاصة مع تزايد التوترات داخل قبيلة الرزيقات. واكد خبراء ان هذا التكتيك قد يحقق مكاسب عسكرية آنية، لكنه يغفل التداعيات الاجتماعية طويلة المدى التي قد تترتب على دمج عناصر متهمة بفظائع حرب في القوات النظامية دون محاكمات عادلة.
انقسامات داخلية واستراتيجية الجيش في الميدان
واوضح عماد الدين بادي، الباحث في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة، ان الجيش السوداني يسعى لتكرار سيناريو ولاية الجزيرة، حيث ساهم انشقاق بعض القيادات في تغيير موازين القوى لصالح القوات المسلحة. واضاف ان هذه الاستراتيجية تعتمد على استغلال التصدعات العرقية والقبلية التي باتت تهدد تماسك الدعم السريع، مشددا على ان استمرار هذا النهج قد يؤدي الى تعقيد المشهد السياسي والامني في السودان.
وذكرت مصادر محلية ان الاستياء لا يقتصر على دارفور فحسب، بل يمتد الى مناطق مثل كردفان، حيث يطالب تجار ومتضررون بفتح تحقيقات في نهب المخازن والاسواق. وبينت هذه المطالب ان الاهالي لا يعترفون بشرعية التحالفات الجديدة اذا لم تكن مرتبطة بإنصاف الضحايا، مما يضع الجيش امام تحدي الموازنة بين الحاجة لقوة بشرية في الميدان وبين الحفاظ على الحد الادنى من الثقة الشعبية.
واكدت التطورات الاخيرة ان مستقبل الصراع في السودان مرتبط بقدرة الدولة على فرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء. واضاف المراقبون ان الاعتماد على المنشقين قد يوفر تفوقا تكتيكيا مؤقتا، لكنه يظل حلا هشا ما لم يرافقه التزام حقيقي بمحاسبة كل من تلطخت يداه بدماء السودانيين خلال هذه الحرب التي تسببت في نزوح الملايين وانتشار المجاعة.

