أثارت استقالة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من رئاسة الحكومة، وسط انقسام متصاعد داخل حزب العمال، تساؤلات بشأن انعكاسات هذا التطور السياسي على توجهات السياسة الخارجية للمملكة المتحدة، ولا سيما في ما يتعلق بملف الصحراء المغربية الذي شهد خلال السنوات الأخيرة تقاربا متزايدا بين الرباط ولندن. غير أن متابعين للشأن الدولي يرون أن هذا الحدث، رغم أهميته على الساحة السياسية البريطانية، لا يحمل في حد ذاته مؤشرات على تغيير وشيك في الموقف البريطاني من هذا الملف.

وكان ستارمر قد أعلن، في مؤتمر صحفي من مقر الحكومة في “داونينغ ستريت” بلندن، أنه أبلغ الملك باستقالته، مؤكدا استمراره في تسيير الحكومة إلى حين انتخاب زعيم جديد لحزب العمال خلال شهر شتنبر المقبل. وأوضح أن قراره جاء استجابة للأصوات التي طالبت برحيله من داخل الحزب، متعهدا بضمان انتقال سلس للسلطة، كما أعلن فتح باب الترشيحات لخلافته في التاسع من يوليوز المقبل وإغلاقه في السادس عشر من الشهر نفسه قبل العطلة الصيفية.

وأكد رئيس الوزراء المستقيل أنه ورث حزبا “مفلسا سياسيا”، وأنه نجح في إعادة بنائه رغم من اعتبروا أن مستقبله قد انتهى، مشددا على أن حكومته استعادت الثقة في الاقتصاد والدفاع والأمن القومي، واستعرض مؤشرات قال إنها تعكس نجاحات تحققت في عدد من القطاعات، ليصبح بذلك سادس رئيس وزراء بريطاني يغادر منصبه خلال السنوات العشر الأخيرة.

عبد العالي سرحان، الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، اعتبر أن استقالة رئيس الوزراء البريطاني لا تعني تلقائيا حدوث تحول في الموقف الرسمي للمملكة المتحدة من قضية الصحراء المغربية، موضحا: “في تقديري، لا يوجد ما يشير إلى أن استقالة رئيس الوزراء البريطاني، في حد ذاتها، ستؤدي إلى تغيير مباشر في موقف لندن من قضية الصحراء المغربية. فالسياسة الخارجية البريطانية، خصوصا في الملفات الاستراتيجية، لا تُبنى على توجهات رئيس الحكومة وحده، بل تُصاغ داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارة الخارجية والأجهزة الدبلوماسية والأمنية، كما تخضع لمصالح بريطانيا طويلة الأمد أكثر من ارتباطها بالأشخاص”.

وأضاف سرحان أن “الموقف البريطاني من ملف الصحراء خلال السنوات الأخيرة عرف تطورا تدريجيا في اتجاه تعزيز الشراكة مع المغرب، خاصة بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، إذ أصبحت الرباط شريكا مهما في مجالات التجارة والأمن والاستثمار والطاقة والهجرة. لذلك فإن أي رئيس وزراء جديد سيجد أمامه شبكة واسعة من المصالح المشتركة يصعب التفريط فيها، وهو ما يجعل استمرار التقارب مع المغرب الخيار الأكثر ترجيحا، بغض النظر عن هوية ساكن “داونينغ ستريت””.

وأشار الباحث ذاته إلى أن “قضية الصحراء بالنسبة لبريطانيا ليست ملفا انتخابيا داخليا، ولا تمثل نقطة خلاف بين التيارات الرئيسية داخل حزب العمال أو حتى مع حزب المحافظين. ولهذا فإن تغيير القيادة السياسية لا يعني بالضرورة مراجعة الموقف الرسمي، لأن هذا الأخير يرتبط أساسا برؤية لندن للاستقرار الإقليمي، ودورها داخل مجلس الأمن، وعلاقاتها الثنائية مع المغرب، وليس بمواقف شخصية لرئيس الوزراء المستقيل”.

وفي المقابل، لفت سرحان إلى احتمال حدوث تباطؤ ظرفي في التحركات الدبلوماسية البريطانية خلال المرحلة الانتقالية، موضحا: “قد تؤدي المرحلة الانتقالية التي ستستمر إلى حين انتخاب زعيم جديد لحزب العمال إلى تباطؤ نسبي في اتخاذ مبادرات دبلوماسية كبرى أو إصدار مواقف جديدة بشأن بعض الملفات الخارجية، ومنها الصحراء المغربية. فالقيادات الانتقالية عادة ما تركز على إدارة الشؤون اليومية وضمان استقرار الحكومة، بينما تؤجل القرارات السياسية ذات البعد الاستراتيجي إلى ما بعد تشكيل القيادة الجديدة، دون أن يعني ذلك تغييرا في جوهر السياسة البريطانية”.

وختم الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية تصريحه بالتأكيد على أن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في استمرار السياسة البريطانية الحالية تجاه الصحراء المغربية، قائلا: “بناء على هذه المعطيات، فإن الاحتمال الأكبر هو أن يظل موقف لندن من الصحراء المغربية مستقرا، ما لم يقرر رئيس الوزراء الجديد إدخال مراجعة شاملة للسياسة الخارجية البريطانية، وهو سيناريو يبدو مستبعدا في الوقت الراهن. وإذا كان هناك تطور مرتقب، فمن المرجح أن يرتبط بتعميق العلاقات البريطانية المغربية في إطار المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة، أكثر من ارتباطه باستقالة كير ستارمر في حد ذاتها”.