في السياسة الدولية، لا تكمن المشكلة دائماً في سوء تقدير الخصوم فحسب، بل قد تبدأ أحياناً من سوء تقدير الذات، وعندما يتعلق الأمر بالعلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة وإيران، يبرز سؤال يستحق النقاش: هل خدع الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه في ملف إيران، أم أنه وقع أسيراً لتقديراتٍ سياسية لم تنسجم مع الواقع المتغير؟
منذ عودته إلى البيت الأبيض، حاول ترامب تقديم نفسه بصفته الرجل القادر على فرض شروطه على الخصوم وإجبارهم على التراجع تحت الضغط، وقد استند هذا التصور إلى قناعة راسخة لديه بأن العقوبات الاقتصادية والتهديد باستخدام القوة كفيلة دفع إيران إلى طاولة المفاوضات بشروط أميركية أفضل من اتفاق أوباما، غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن المشهد أكثر تعقيداً من مجرد معادلة تقوم على الضغط والاستجابة.
فرضية الضغوط الداخلية في إيران
يبدو أن الإدارة الأميركية تعاملت لمدة طويلة مع فرضية مفادها أن إيران تعاني من ضغوط داخلية وخارجية تجعلها أقرب إلى تقديم تنازلاتٍ كبيرة، هذه الفرضية ربما بدت منطقية، لكنها اصطدمت بواقع مختلف. فطهران أثبتت خلال السنوات الماضية أنها تمتلك قدرة عالية على امتصاص الضغوط والتكيف معها، رغم كل الدمار الذي خلفته الهجمات الأميركية- الإسرائيلية، كما أنها تنظر إلى الصراع مع واشنطن من منظور استراتيجي طويل الأمد، وليس من زاوية المكاسب والخسائر الآنية فقط.
في هذا السياق، يمكن القول إن ترامب ربما وقع في فخ الاعتقاد أن الوقت يعمل لمصلحته وحده، فقد راهن على أن الضغوط الاقتصادية ستؤدي في النهاية إلى تغيير السلوك الإيراني أو دفع القيادة الإيرانية إلى القبول بشروط أميركية أكثر صرامة، لكن الواقع أظهر أن الطرف الآخر كان مستعداً لتحمل تكلفة مرتفعة في مقابل الحفاظ على خطوطه الحمراء الأساسية، وهنا ظهر التباين بين التوقعات الأميركية والحقائق على الأرض.
لهجة متشددة… وتجنب المواجهة الشاملة
اللافت أن الخطاب السياسي لترامب كثيراً ما جمع بين لهجةٍ متشددة ورغبة واضحة في تجنب الانخراط في حرب واسعة النطاق، فمن جهة، كان يلوّح بالقوة ويؤكد أن الولايات المتحدة لن تتهاون مع أي تهديد لمصالحها، ومن جهة أخرى كان حريصاً على تجنب قرارات قد تؤدي إلى مواجهةٍ مفتوحة في الشرق الأوسط، هذا التناقض لم يمر من دون أن تلاحظه إيران أو الأطراف الإقليمية الأخرى، بل ربما شجع البعض على اختبار حدود الرد الأميركي ومدى استعداده للذهاب بعيداً في التصعيد.
السياسة الناجحة تقوم عادة على وضوح الرسائل والمواقف، أما عندما تتكرر التهديدات من دون أن تتحول إلى أفعال حاسمة، فإنها قد تفقد جزءاً من تأثيرها الردعي.
لذلك، يعتقد بعض المراقبين أن المشكلة لم تكن في امتلاك واشنطن أدوات الضغط، بل في كيفية توظيفها وإقناع الخصوم بأن استخدامها أمر وارد بالفعل عند الضرورة، وفي حال غاب هذا الاقتناع، تتحول الضغوط إلى عنصر يمكن التكيف معه بدلاً من أن تكون وسيلة لإجبار الطرف الآخر على تغيير سلوكه.
من زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل البعد الداخلي في حسابات ترامب، فالرئيس الأميركي يدرك جيداً أن الرأي العام الأميركي لا يرحب عادة بالحروب الطويلة والمكلفة، بخاصة بعد التجارب المريرة في العراق وأفغانستان، كما أن أي تصعيد عسكري واسع قد يحمل مخاطر اقتصادية وسياسية تنعكس مباشرةً على شعبيته وعلى فرص حزبه في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. لذلك، بدا أحياناً كأنه يحاول تحقيق معادلة صعبة تجمع بين ممارسة أقصى درجات الضغط وتجنب أقصى درجات التصعيد في الوقت نفسه.
غير أن هذه المعادلة ليست سهلة التطبيق دائماً، فالخصوم يراقبون السلوك العملي أكثر من التصريحات الإعلامية، وإذا استنتجوا أن تكلفة التصعيد بالنسبة إلى الطرف الآخر مرتفعة سياسياً أو اقتصادياً، فقد يصبحون أكثر استعداداً للمراهنة على عامل الوقت. وفي حالة إيران، يبدو أن الرهان على الصبر الاستراتيجي كان جزءاً أساسياً من طريقة إدارتها للأزمة.
السؤال الأهم هنا ليس ما إذا كانت إيران نجحت في فرض رؤيتها بالكامل، بل ما إذا كانت التوقعات الأميركية الأصلية كانت واقعية منذ البداية، فربما لم تكن المشكلة في أدوات الضغط ذاتها، بل في الاعتقاد أن الخصم سيتصرف وفق الحسابات التي وضعتها واشنطن له، التاريخ السياسي مليء بأمثلة لقوى كبرى أخطأت في فهم خصومها، ليس بسبب نقص المعلومات، وإنما بسبب الثقة الزائدة بصحة افتراضاتها.
من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى ملف إيران باعتباره اختباراً معقداً لقدرة ترامب على المواءمة بين الخطاب السياسي والواقع الاستراتيجي. فالرغبة في إظهار الحزم لا تكفي وحدها لتحقيق الأهداف، كما أن تجنب الحرب لا يعني بالضرورة التوصل إلى تسوية مرضية، وبين هذين الخيارين تتسع مساحة من الحسابات الدقيقة التي قد تؤدي أي قراءة خاطئة لها إلى نتائج غير متوقعة.
يبقى القول، أنه قد يكون من المبكر إصدار حكم نهائي على حصيلة سياسة ترامب حيال إيران، لكن المؤكد أن هذا الملف كشف حدود الرهان على الضغوط وحدها. وإذا كان هناك درس يمكن استخلاصه من هذه التجربة، فهو أن السياسة الخارجية لا تبنى على ما نتمنى أن يفعله الخصوم، بل على ما هم مستعدون فعلاً لفعله، وعندما تتسع الفجوة بين التوقعات والواقع، يصبح السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح شديد: هل أخفق ترامب في قراءة إيران، أم أنه أقنع نفسه لمدة طويلة بأن الأمور تسير وفق السيناريو الذي أراد تصديقه؟
*باحث ومستشار سياسي

