سامر الشاماني – الرياض.

في عالم كرة القدم الحديثة، لم تعد الموهبة وحدها كافية لصناعة النجم، بل تلعب البيئة والتنشئة والقرارات المصيرية الدور الأكبر في رسم مسار اللاعبين.

وتبرز قصة النجم الشاب ياسين العياري كواحدة من أكثر القصص إلهاماً وعمقاً في الملاعب الأوروبية، حيث تتمازج فيها جاذبية الموهبة الكروية الفذة بأسئلة الهوية والوفاء للأوطان التي تحتضن المبدعين ،.

وياسين العياري هو لاعب كرة قدم سويدي محترف من أصول تونسية، ولد عام 2003 في مدينة سولنا السويدية، ويشغل مركز خط الوسط بنادي برايتون أند هوف ألبيون الإنجليزي، ويمثل حالياً الركيزة الأساسية للمنتخب السويدي الأول.

بدأت حكاية ياسين مع الساحرة المستديرة في سن السادسة داخل أكاديمية “راسوندا” بمدينة سولنا السويدية، ولم يتأخر كشافو عملاق الكرة المحلية نادي “AIK سولنا” في رصد هذه الجوهرة لينضم إلى النادي في الثامنة من عمره ، وبفضل رؤيته الثاقبة في خط الوسط ونضجه التكتيكي المبكر، تدرج العياري بسرعة الصاروخ لينال فرصة اللعب الاحترافي الأول مع الفريق الأول وهو في الـ17 من عمره فقط.

هذا التوهج لفت أنظار كبار أندية أوروبا، ليأتي المنعطف الأبرز في مسيرته الاحترافية في يناير 2023 عندما انتقل إلى الدوري الإنجليزي الممتاز من بوابة نادي برايتون أند هوف ألبيون، لتبدأ رحلة صقل موهبته في أقوى مسارح اللعبة عالمياً.

وخلف هذا النجاح المتسارع على المستطيل الأخضر، عاش العياري قصة صراع كروي صامت على الهوية الدولية ففي عام 2021 رمت الجامعة التونسية لكرة القدم بكل ثقلها لضم اللاعب الشاب إلى صفوف “نسور قرطاج” ورغم الانجذاب العاطفي الأولي لياسين نحو بلد والده، إلا أن الحسم جاء بقرار صارم وتوجيه حكيم من والده عزوز العياري الذي أصر على اختيار تمثيل السويد من مبدأ أخلاقي أرساه تحت عنوان “رد الجميل”، معتبراً أن الوفاء يفرض مجازاة الدولة التي احتضنت العائلة ووفرت لنجلها التكوين الرياضي والتعليم والرعاية مجاناً منذ طفولته.

ولم يكن هذا القرار عابراً بل تحول إلى نهج عائلي يسير عليه حالياً شقيقه الأصغر طه العياري الذي يتبع الخطى ذاتها في الملاعب السويدية وانصياعاً لهذا الخيار العائلي المبني على الامتنان، تدرج العياري في صفوف منتخبات السويد للشباب تحت 17 و19 و21 عاماً مقدماً مستويات مبهرة أكدت صحة خياره الرياضي، ولم يطل الانتظار حتى ثبت أقدامه كعنصر استراتيجي وركيزة أساسية في تشكيلة المنتخب السويدي الأول
وقد تجلى هذا الدور القيادي مؤخراً عندما نجح العياري في تسجيل هدفين حاسمين بقميص السويد، حيث أظهر مهارة استثنائية في قراءة الملعب والتوغل لينهي الهجمات بنجاح في الشباك، مهدياً بلاده انتصاراً ثميناً برهن من خلاله على قيمته الفنية الكبيرة كأحد أبرز مواهب خط الوسط الصاعدة في أوروبا، لتظل قصة ياسين العياري نموذجاً حياً لكيفية صناعة البطل الرياضي حيث تلتقي الموهبة الفطرية بالتخطيط العائلي الذكي.